القضية الفلسطينية

حل الدولتين صورة أخرى من الاحتلال والتبعية الاقتصادية (2)

نستأنف الجوانب التي عرضتها لما أبوعودة، أستاذة القانون بجامعة جورجتاون بواشنطن، لتصور حل الدولتين،  الذي سيدفع بالشعب الفلسطيني إلى مأزق التبعية الاقتصادية الأبدية للكيان الصهيوني، ويدخله للفقر والفاقة على نمط ما يعرف بالاستعمار (الكولونيالية) الجديد، إضافة إلى الخضوع لحكم نخبة فلسطينية شرهة للمال والسلطة على نحو غير مسبوق. وتلفت الكاتبة إلى أن المفاوضين الفلسطينيين يرتكبون "خطيئة" قيادات وطنية، فاوضت لتحقيق استقلال يبرز التطلع لدولة قومية، وأخفقت تماماً في إنجاز الحقوق الاقتصادية.

فالأوضاع والترتيبات الاقتصادية الحالية للأراضي المحتلة تعود على إسرائيل بفوائد اقتصادية كبيرة، لا ينال الفلسطينيين منها شيء، مما يجعل منهم بنهاية المطاف فقراء إسرائيل، الذين ينتجون ثروة الدولة اليهودية، ويحصلون على قليل من الخدمات والاستثمارات بمناطقهم. وما يعود لهم من عوائد يجد طريقه إلى خزائن سلطة فلسطينية، وظيفتها الأولى وفقاً للترتيبات الراهنة، أن تكون شرطة تسيطر على فلسطينيين واقعين في فخ الفقر، حتى لا يتمردوا على شرطة الدرك، وسادتها الإسرائيليين.
تقول البروفسور لما أبوعودة أن تبنيها لحل الدولة الواحدة لا ينطلق من أن إسرائيل قد أقامت على الأرض واقعاً لا عودة عنه. فالمستوطنات اليهودية وجدار الفصل العنصري ومصادرة الأراضي كلها قابلة للتفكيك، إذا وجدت إرادة سياسية كافية في إسرائيل. لكن موقفها ينطلق من قناعة بأن أنصار حل الدولتين يبالغون في دعواهم حول قدرتها على تحرير الشعب الفلسطيني؛ ليس فقط لأن المساومات والتنازلات التي ستجري عند طرح حل الدولة على طاولة التفاوض، ستؤدي إلى دولة فلسطينية هزيلة، بل أيضاً بسبب الغياب الصارخ للترتيبات الاقتصادية القادرة على إنقاذ الأراضي الفلسطينية من تبعيتها الاقتصادية الراهنة والشديدة لإسرائيل من أجندة حل الدولتين.
غياب أجندة اقتصادية، ناهيك عن أن تكون "تحررية"، هي مقتل حل الدولتين. بعبارة أخرى، نظرا لهذا الغياب، سيكون التحول نحو الدولتين، في أفضل أشكاله (دولة فلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عاصمة، مع عدم وجود مستوطنات)، يَعِد بتحويل العلاقة مع إسرائيل رسمياً من الاستعمار التقليدي إلى الاستعمار الجديد.
يُعزى غياب الأجندة الاقتصادية التحررية من خطاب حل الدولتين إلى عاملين. العامل الأول يتصل بالمفاهيم؛ فتعتيم الجانب الاقتصادي خطيئة كلاسيكية لقادة يدفعون الحركة "الوطنية" باتجاه أجندة الدولتين. والعامل الثاني تاريخي، نظراً لأن شهية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل التاريخي للشعب الفلسطيني، للسلطة ثبتت شراهتها منذ أوسلو، بحيث تبدو سعيدة جداً بخدمة الأجندة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة مقابل سلطة محلية على مراكز سكانية فلسطينية موجودة ضمن صورة لكيان وطني (السلطة الفلسطينية).
لذلك، يعتقد البعض أنه لن يتيسر تقديم مصالح الشعب الفلسطيني "الاقتصادية" إلى المركز، إلا بتراجع الأجندة "الوطنية" لمنظمة التحرير (حل الدولتين) إلى الخلف. وهذا يرجح اختيار وضع يكافح فيه الفلسطينيون، كمواطنينن مهمشين سياسياً ومحرومين اقتصادياً، ضد التمييز العنصري لكيان متقدم صناعياً ومزدهر اقتصادياً، ويزعم نظاماً ديمقراطياً منتمياً للمنظومة الغربية (كما كان نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا)، ومعانياً هشاشة سكانية (ديموغرافية) ومفتقراً للعمق الاستراتيجي؛ على مأزق المواطنة في دولة متخلفة من العالم الثالث تقودها نخبة مستبدة (منظمة التحرير/السلطة الفلسطينية)، شأن إخوتهم العرب في باقي العالم العربي، حيث لا أمل ولا حراك ولا تغيير في الأفق، ولا سبيل للكفاح إلا ضد السلطة الفلسطينية للحصول على بعض الفتات الذي تسمح به إسرائيل.
سيتيح حشد الشعب الفلسطيني وراء خيار الدولة الواحدة فرصة ذهبية للتخلص بهدوء من البرنامج المرحلي العدمي لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، لأنه سيصبح تاريخياً خارج السياق ولا دلالة أو أهمية له، شأن معظم أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الذين لا يعرفهم الشعب الفلسطيني. من ناحية أخرى، إذا كان جدار الفصل العنصري قد حال دون استمرار الاشتباك بين المقاومة والاحتلال، فإن خيار الدولة الواحدة سيعيد الاشتباك في قلب الكيان، خاصة أشكال الكفاح غير المسلح والعصيان المدني وحركة الحقوق المدنية، وهي أشكال لا تتوقف على امتلاك وسائل العنف، وسيلغي هذا الوضع مبررات يهودية الدولة من حيث المبدأ والواقع، ويخلق حقائق جديدة وواقعاً جديداً على الأرض.
تلفت الكاتبة إلى أنه ليس هناك فعل قادر على شل السلاح الإسرائيلي وتحييد قدرة الردع العسكري أكثر من العصيان المدني، وصرخات الفلسطينيين بأنه لا ضرائب بدون تمثيل عادل وحقوق متكافئة وحريات كاملة والتوقف عن مصادرة الأراضي. وليس هناك ما يفزع منظمة التحرير/السلطة الفلسطينية أكثر من نداء: "عودوا إلى تونس، كفي تعني كفى".
من ناحية أخرى، لا ينبغي بأي حال أن يتوهم أحد أن إسرائيل يمكن أن تكون شبه ديمقراطية أو دولة لكل مواطنيها، والمحنة التي يعيشها العرب الفلسطينيون داخل ما يسمى "الخط الأخضر" على نحو متواصل لأكثر من ستين عاماً، أكبر شاهد وبرهان. فالعصابة الصهيونية الحاكمة تاريخياً، منذ نشأة الكيان، لا يمكن أن تكون أسمى أخلاقياً من السلطة الفلسطينية. فشهية الأولى السادية للعنف لا نظير لها في التاريخ الحديث، من حيث إخضاع الفلسطينيين لفناء مفتوح ومتواصل لأكثر من قرن، بدون أفق للخلاص. وليس هناك سبب يدعو لتوقع قبول أي مجموعات سكانية فلسطينية ضمن الكيان الصهيوني، أو معاملتهم بشكل مختلف لو تحقق دخولهم. ولا ينبغي التوهم بأن التخلي عن حل الدولتين سيؤدي إلى طرح حل الدولة الواحدة تلقائياً.
لكن هذا المسار الأخير يعيد القضية إلى حقيقتها الأصيلة، ويعيد الكيان الصهيوني إلى جوهره الأصيل كمشروع استيطاني أوروبي توسعي إحلالي، ينتزع الأرض من أهلها بالعنف البالغ والإبادة، وينكر وجودهم، ويبني استراتيجيته على أساس تدميرهم كمجتمع وأمة وثقافة، وحصارهم وسلبهم مقومات الحياة والاستمرار. كما يسقط هذا المسار كافة دعاوى فرادة المشروع الصهيوني وديباجاته الدينية والقومية الزائفة، وادعاء حالة قومية مصطنعة، لا يعطيها صدقية إلا حل الدولتين الذي ينطلق من اعتراف الحركة الوطنية لأهل البلاد بقومية الاستيطان وحق المستوطنين في دولة ستستحوذ، بالأقل، على 80 بالمائة من فلسطين التاريخية، مما يلغي حقوق أهلها ويبدد كفاحهم، ويخون عهد شهدائهم.

الصفحات

الاشتراك في RSS - القضية الفلسطينية